“أجنة غزة تتغذى من عظام أمهاتها”… مجاعة صامتة تفتك بالحوامل

حذّر مكتب الأمم المتحدة للسكان من كارثة صحية وإنسانية تضرب نحو 50 ألف امرأة حامل ومرضعة في قطاع غزة، مشيرًا إلى أن الكثير منهن لم يتناولن الطعام منذ أيام. وقال إن الأطفال في غزة يولدون قبل أوانهم، ويواجهون خطر الوفاة أو مشكلات صحية مستدامة مدى الحياة.

وفي أقصى غرفة صغيرة داخل مجمع ناصر الطبي في خانيونس جنوب القطاع، ترقد “تغريد عوض”، حامل في شهرها الثالث ونصف، على فراش مهترئ بجوار علب معدنية فارغة. جسدها النحيل وشحوب وجهها يلخصان مشهدًا موجعًا من الجوع المزمن وسوء التغذية.

تقول تغريد بصوت متهدّج: “أنا حامل.. بس ولا لقمة فيها فائدة دخلت فمي من شهور. نعيش على المعلبات والعدس. لا خضار، لا فواكه، ولا حتى خبز”.

الفقر الدموي، غياب الفيتامينات، وشح المياه النقية تجعل حملها معركة يومية للبقاء، تقول إحدى المتطوعات في المستشفى: “دمها ناقص جدًا، وضغطها ينهار فجأة. هي تعيش على العتمة والأمل. لكن حتى الأمل استسلم”.

أمهاتٌ يتساقطن بصمت

في أحد صفوف مدرسة تحوّلت إلى مركز إيواء، تجلس “رقية محسن”، حامل في شهرها السادس، إلى جانب طفلتها الصغيرة، وتصف حياتها بأنها “خطر دائم على الجنين”. “من يوم ما حملت وأنا آكل معلبات فقط. ابنتي تطلب تفاحة، وأنا لا أستطيع طلب حتى حبة سكر. لا طعام، لا ماء نظيف، ولا سرير ننام عليه”. لا تخاف رقية على نفسها قدر خوفها على الطفل الذي ينمو في جسدٍ لم يعد يملك ما يغذيه.

أطباء بلا أدوات.. وولادات تحت الخطر

في مستشفى “شهداء الأقصى”، يتحدث الدكتور عمر أبو محسن، استشاري أمراض النساء، بحزن: “أكثر من 90% من الحوامل يعانين فقر دم حاد. نلاحظ هذا فور رؤيتهن: شحوب، دوخة، انهيار بدني تام”.

ويؤكد أن أجساد النساء بدأت تفقد الكالسيوم والحديد لصالح الأجنّة، في عملية تحلل ذاتي ناتجة عن الجوع المزمن. كما أن الولادة القيصرية باتت أكثر شيوعًا، لكن بدون تجهيزات أو أدوات تعقيم أو مسكنات كافية.

مجاعة صامتة في الأرحام

بحسب منظمة الصحة العالمية، هناك أكثر من 55 ألف امرأة حامل في غزة، ثلثهن في حمل عالي الخطورة. ويولد 130 طفلًا يوميًا في القطاع، كثير منهم يعاني من نقص الوزن أو التشوهات أو الولادة المبكرة، دون وجود رعاية كافية.

المعابر المغلقة منذ مارس/آذار منعت دخول أجهزة الحاضنات، وأدوية التخدير، والمضادات الحيوية، و180 ألف جرعة لقاحات روتينية. والنتيجة: موت يُتوقع داخل غرف الولادة قبل أن ينطلق أي صاروخ.

في استطلاع أجرته مجموعة التغذية في فلسطين، تبين أن بين 10 إلى 20% من النساء الحوامل والمرضعات يعانين من سوء تغذية حاد، بينما توقّف 21 مركزًا لعلاج سوء التغذية عن العمل، ما حرم أكثر من 350 طفلًا من العلاج المنقذ للحياة.

“أتوجع.. لكن لا أعرف إن كان الجنين بخير”

في خيمة في خان يونس، جلست “نهى خالد”، حامل في شهرها السابع، وقالت:“قبل الحرب كنت أتابع حملي في عيادة الوكالة، واليوم لا طبيبة، لا فيتامينات، لا جهاز يطمنّي على الجنين”. نهى تخشى من ولادة قيصرية دون تجهيزات، وتردد في يأس: “حتى الموت غير متاح.. نموت بالبطيء”.

تحذير للعالم: أطفال غزة يموتون قبل الولادة

يؤكد الدكتور منير البرش، مدير عام وزارة الصحة بغزة، أن “أجنة غزة يتغذّون على عظام أمهاتهم لأن الغذاء مفقود، والمجتمع الدولي عاجز، والدواء يُمنع لأسباب سياسية، والغذاء يُحاصر كما تُحاصر الحياة”.

ويضيف: “دون رفع الحصار، ودون تدخل طبي عاجل، ستستمر المجاعة في افتراس العظام، وسيسقط الجنين من أمه قبل أن يسقط الصاروخ من الطائرة”.

زر الذهاب إلى الأعلى