جرس إنذار مبكر لأنقرة.. كيف تستعد تركيا للحرب؟

في يونيو/حزيران 2025، اندلعت مواجهة غير مسبوقة بين إسرائيل وإيران، وصفتها مراكز الدراسات التركية بأنها أول اختبار ميداني لمعادلة القوة الجديدة في الشرق الأوسط بعد هجوم 7 أكتوبر 2023. وقد رأت أنقرة في هذا الصراع أكثر من مجرد نزاع ثنائي؛ بل نموذجاً حيّاً لحروب متعددة المجالات تمزج بين القوة الجوية، والسيبرانية، والنفسية، والدبلوماسية في آنٍ واحد.
دراسة موسعة أصدرتها “الأكاديمية الوطنية للاستخبارات” التركية، بعنوان “حرب الـ12 يوماً والدروس المستفادة لتركيا”، اعتبرت أن هذه الحرب شكلت جرس إنذار مبكر لأنقرة، بسبب تماثل الأنماط العملياتية مع سيناريوهات محتملة في محيطها الإقليمي، ولأنها كشفت عن تحول طبيعة الحروب الحديثة إلى عمليات مباغتة ومعقدة تشلّ الخصم منذ اللحظة الأولى.
فقد استعرضت إسرائيل نموذج تفوق عسكري مذهل، استخدمت فيه أكثر من 200 طائرة مقاتلة من طراز “F-35” و”F-16″، بجانب مسيّرات انتحارية، ووحدات خاصة داخل إيران، وهجمات سيبرانية متزامنة أربكت الدفاعات الإيرانية وشبكاتها المالية والإعلامية. وأدت هذه الضربة المركبة والمنسقة إلى انهيار شبه كامل للدفاعات الجوية الإيرانية خلال 72 ساعة.
وبحسب الدراسة، فإن استخدام إسرائيل للحرب السيبرانية والعمليات النفسية، مثل اختراق الاتصالات وبث الذعر برسائل وهمية، شكّل تحولاً نوعياً في مفهوم الحرب الشاملة. كما أن دمج هذه الأدوات مع عمليات إلكترونية لتخريب البنية المالية الإيرانية كشف عن ضعف التحصين السيبراني لطهران، مما جعل أنقرة ترى في هذه الأدوات تهديداً وجودياً إذا ما تم تطبيقها ضدها.
وأوصت الدراسة تركيا بتسريع تحديث قواتها الجوية التقليدية، وتوسيع قدراتها في الحرب الإلكترونية والدفاع السيبراني، لحماية بنيتها التحتية الحيوية، مشيرة إلى أن الهجمات السيبرانية التي شلت الاقتصاد الإيراني لا تقل خطراً عن الهجمات الجوية، وأن الصمود الاستراتيجي لا يتحقق بالتفوق العسكري وحده، بل بتكامل اقتصادي وأمني ومجتمعي.
كما أكدت الدراسة أن أمن الشخصيات القيادية والمقرات السيادية بات ضرورة قصوى، بعد نجاح إسرائيل في تنفيذ اغتيالات مركزة بالتوازي مع قصف المنشآت النووية. ودعت إلى تعزيز أنظمة الدفاع الجوي منخفضة الارتفاع، وبناء شبكة ملاجئ ومنشآت دفاع مدني حديثة في المدن الكبرى، إلى جانب حملات توعية للمواطنين تحاكي التجربة الإسرائيلية في حماية الجبهة الداخلية.
التحليل التركي شدّد أيضاً على البعد الجيوسياسي للحرب، حيث أظهرت إسرائيل قدرة على استثمار تحالفاتها الغربية والدعم الاستخباراتي واللوجستي من واشنطن ولندن وباريس، مقابل عزلة إيران عن شركائها المفترضين كروسيا والصين. واعتبرت الدراسة أن موقع قبرص كمركز لوجستي إسرائيلي يستدعي من أنقرة رفع جاهزيتها في شمال الجزيرة، وضبط محيطها الإقليمي.
واختتمت الدراسة بتوصية واضحة: اليقظة الإستراتيجية والتخطيط متعدد الجبهات هو ما سيحفظ أمن تركيا ومكانتها. فسيناريوهات انهيار إيران أو تحولها إلى دولة فاشلة يثير قلق أنقرة أكثر من الحرب ذاتها. لذا، فإن موازنة التحالفات، واحتواء تداعيات الإقليم، وتحقيق مناعة داخلية، تمثل عناصر الردع الحقيقية لأي دولة في زمن الحروب المركبة.