وصية بين الركام: الشهيد أنس الشريف يودّع الحياة برسالة وفاء إلى تامر المسحال

غزة – وسط دخان القصف وأنين الجرحى، وبين ركام البيوت وأشلاء الضحايا، كتب الشهيد الصحفي أنس الشريف آخر كلماته قبل أن يرتقي بقذائف الاحتلال، وهو يواصل أداء مهمته مراسلًا ينقل الحقيقة من قلب الميدان حتى اللحظة الأخيرة
في هذه اللحظات الفاصلة بين الحياة والموت، وجّه أنس وصيته إلى من اعتبره الأخ والمعلم والسند، الصحفي تامر المسحال (أبو كريم)، الذي رافقه بالدعم والتوجيه في أصعب الظروف.
وجاء في نص الرسالة المؤثرة التي تركها أنس الشريف
“وصيتي إلى من كان الرفيق في الرحلة… تامر المسحال (أبو كريم)
في خضم هذه الحرب، وسط المجازر والدخان والدم، كنت أنا بين الموتى، أتنفس بين الأنقاض، أتنقل بين الجثامين والنداءات، أركض نحو الحقيقة بكل ما فيّ من ضعف وقوة.
لكن في كل لحظة خطر، في كل لحظة ارتباك، كنت هناك — كنت الصوت الذي يرشدني، واليد التي تسندني، والضمير الذي يذكّرني لماذا بدأت.
أكتب لك هذه الوصية، وأنا لا أعلم إن كنت سأعيش حتى أراك مجددًا، أو أنني سأكون أحد الأسماء التي تُذكر في نشرة الأخبار.
أبو كريم،
كنت أكثر من زميل، كنت أخًا ومعلمًا وسندًا. لم تتركني لحظة. في أقسى ظروف الحرب، كنت تتواصل معي، توجهني، تصحح لي، ترفع معنوياتي، وتقول لي دائمًا:
“اصنع الصورة… لعلها تُنقذ حياة، أو تُوقِف حربًا، أو تُحْيي ضميرًا.”
هذه كلماتك التي لا أنساها.
أعرف أنني لم أكن دائمًا على صواب، وكانت لدي أخطاء كثيرة، لكنك كنت تتجاوزها، لا من باب المجاملة، بل من باب الإيمان بأنني أستطيع أن أكون شيئًا. أنت من رأى فيّ ما لم أره في نفسي. أنت من سهر على تقدمي، وساندني دون كلل، حتى أصبحت في هذا المكان، أنقل الحقيقة، وأواجه الخطر، وأحمل الكاميرا كأنها سلاح شرف.
في عالم الإعلام، لا يحدث أن يصبح المصور فجأة مراسلًا، وهذا ما لا يحدث إلا في حالات نادرة، خاصة في ظروف الحرب. كنت مصورًا، ولكن بفضل الله عز وجل، ثم بفضل توجيهك، ودعمك المستمر، وتوجيهك لي نحو طرق جديدة، تحولت من مصور إلى مراسل، بل إلى مراسل يغطي الحروب في أكبر قناة إعلامية إنها الجزيرة وأكون جزءًا من تاريخها العريق. لم يكن هذا ممكنًا لولا جهودك المستمرة في توجيهي، ورؤيتك التي اكتشفت من خلالها إمكانياتي.
لو فارقت الحياة، فاعلم أنني كنت على يقين بأنك كنت دائمًا معي.
وإن وصلت كلماتي هذه إليك، فأنا أود أن يعرف العالم أن أنس الشريف ما كان ليكون كما هو، لولا الله أولًا، ثم دعاء أمي وأبي رحمه الله، ثم دعمك النبيل، الهادئ، الصادق.
وصيتي: أن يعرف كل من يسمع عني، أن خلف ظهوري كان هناك رجل، اسمه تامر المسحال، لم يظهر كثيرًا أمام عدستي، لكنه كان حاضرًا في كل مشهد، وكل صرخة، وكل خبر.
ولك، يا أبو كريم…
ابقَ كما أنت، شامخًا، صادقًا، معطاءً. وإن رحلت أنا، فاحمل رسالتنا، وامضِ بها كما علّمتني.
أنس الشريف
غزة – بين الموت والحقيقة
2025
رحل أنس الشريف، لكن كلماته بقيت، شاهدة على أن الصحافة ليست مهنة عابرة، بل رسالة يدفع أصحابها أرواحهم ثمنًا لها.
من بين ركام غزة، خرجت وصيته لتخبر العالم أن وراء كل مراسل في الميدان قلوبًا نابضة في أماكن أخرى، تدعمه وتوجهه وتؤمن به.
أنس غاب جسدًا، لكن صوته سيظل حيًا في ضمير كل من قرأ كلماته، وفي ذاكرة كل من عرف أن الحقيقة تُكتب أحيانًا بالدم، لا بالحبر