واشنطن تقترب من الحسم: قرار قوة غزة الدولية خلال أسابيع

غزة على طاولة 21 دولة:
نقاشات مكثّفة في كريات غات لتشكيل القوة الدولية
وسط حراك دولي غير مسبوق بشأن مستقبل قطاع غزة، تتسارع المشاورات داخل مقر التنسيق الأميركي في كريات غات، حيث تعمل واشنطن على بلورة قرار حاسم يتعلق بتشكيل قوة دولية متعددة الجنسيات للانتشار في القطاع. وتشير التقديرات الإسرائيلية إلى أن الإدارة الأميركية قد تُصدر قرارها خلال أسابيع قليلة، وربما بضعة أشهر، في خطوة تعتبرها تل أبيب مدخلًا إلزاميًا للانتقال إلى المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب الخاصة بغزة.
تشهد كريات غات نقاشات يومية موسّعة يشارك فيها ممثلون عن 21 دولة، يعملون ضمن ستّ غرف تخطيط تبحث مستقبل قطاع غزة وصيغة القوة الدولية المقترحة، بدءًا من طبيعة التفويض، مرورًا بالانتشار والتسليح، ووصولًا إلى المهام الميدانية الأكثر حساسية.
وبحسب ما نشرته صحيفة يديعوت أحرونوت، تشارك فرق قانونية من الأمم المتحدة وخبراء من القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) في وضع تصور واضح لصلاحيات القوة، بينما تعمل طواقم هندسية وأمنية داخل المقر على تجهيز “الأرضية الميدانية” لاستقبالها فور صدور القرار النهائي.
تفاصيل النقاشات
تتناول المشاورات مسائل دقيقة تشمل:
-
اسم القوة والجهة التي تمنحها التفويض.
-
شكل الدوريات ومناطق الانتشار داخل القطاع.
-
الآليات التي تمنع الاحتكاك أو “النيران الصديقة” مع قوات الاحتلال.
-
طرق الاتصالات العسكرية الخاصة بالجنود الأجانب.
-
مهام ميدانية مثل تفكيك الأنفاق المتبقية، وجمع السلاح “بالتراضي أو بالقوة” من المجموعات المسلحة.
وتشير المعلومات إلى أن الاتجاه الغالب يميل نحو إقامة قاعدة رئيسية للقوة داخل قطاع غزة نفسه، وليس في إسرائيل كما تم التداول سابقًا. وتصرّ الأجهزة الأمنية الإسرائيلية على هذا الخيار رغم تحفّظات بعض الدول المشاركة بشأن أمن جنودها.
دخول الإعلام… وإشارات لمرحلة جديدة
وخلال الأيام الماضية، سمح الأميركيون لأول مرة بدخول وسائل الإعلام إلى المقر، في رسالة توحي بأن العمل النظري يقترب من التحول إلى خطة تنفيذية، خاصة بعد صدور قرار مجلس الأمن رقم 2803 الذي فتح الباب أمام إنشاء منظومة حكم مدعومة دوليًا في غزة “من دون حماس”، وفق التصور الأميركي – الإسرائيلي.
غياب أطراف وحضور “الظل”
لا تشارك السلطة الفلسطينية رسميًا في هذه المداولات، كما تغيب تركيا وقطر عن الطاولة. إلا أن الصحيفة تشير إلى أن “ظلّ” الدولتين حاضر بقوة في النقاشات، بالنظر إلى دورهما الحاسم في ملف إعادة الإعمار والتمويل والوساطة السياسية.
نقطة تنسيق ميدانية غير معلنة
وتكشف الصحيفة عن آليات تنسيق ميدانية توصف بـ”شديدة الحساسية”، إذ يجري — وفق التقرير — السماح أحيانًا لمجموعات من عناصر حماس بالتحرك قرب الخط الأصفر بحثًا عن جثث مفقودين، من دون تعرضهم للنيران الإسرائيلية، بفضل التنسيق المسبق داخل المقر.
تدريب القوة المرتقبة… والتحضير لاحتكاك محتمل
ويعرض ضباط من شعبة الاستخبارات الإسرائيلية يوميًا معلومات للوفود الأجنبية حول بنية التنظيمات المسلحة في غزة، وطبيعة الأنفاق، وأنماط القتال المستخدمة. وتستهدف هذه العروض إعداد عناصر القوة الدولية لمنع أي مفاجآت عند الاحتكاك الأول مع مقاتلي حماس.
كما يجري بحث تدريب عناصر القوة المستقبلية في قواعد داخل الأردن ومصر، بالتوازي مع إعداد شرطيين فلسطينيين لمهام أمنية مشابهة.
نموذج مختلف عن “يونيفيل”
وتؤكد المصادر أن القوة المزمع إنشاؤها لن تشبه بعثات “يونيفيل” أو “أندوف”. بل يجري الإعداد لقوة ذات قدرات أعلى، بإشراف وحدة أميركية مختصة بالقوات الخاصة. وترفض إسرائيل أي نموذج يشبه “فشل” اليونيفيل في جنوب لبنان، وتعتبر ذلك خطًا أحمر في غزة.
المساعدات الإنسانية… واشنطن تُنسّق وتل أبيب تتحكم
ورغم إعلان الولايات المتحدة توليها ملف المساعدات الإنسانية، تكشف الصحيفة أن السيطرة الفعلية على دخول المواد إلى غزة ما زالت بيد إسرائيل، خصوصًا في الملفات الحساسة المتعلقة بالمواد ذات الاستخدام المزدوج مثل الإسمنت والحديد.
ويقدَّم هذا المسار — وفق التقرير — كجزء من “استراتيجية تسويق” تقول فيها إسرائيل إنها تدير المساعدات، بينما تظهر الولايات المتحدة كالمسؤولة المباشرة عن القطاع.
نقاشات حول التعليم والمساجد والمستقبل الديمغرافي
وتتناول فرق متخصصة شكل التعليم في غزة بعد الحرب، ومضمون المناهج، وآليات تدريب المعلمين والأئمة لمنع ما وصفته المصادر بـ”عودة التحريض من المساجد”. كما يجري بحث مستقبل القطاع الديمغرافي في ظل زيادة سنوية تقدر بنحو 50 ألف نسمة.
إسرائيليون داخل الآلية الدولية
ويعمل نحو 150 جنديًا وضابطًا إسرائيليًا داخل المقرّ الأميركي لضمان حضور المصالح الأمنية الإسرائيلية في كل مراحل التخطيط.
المزاج السائد داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية يشير إلى أن مسار غزة يتجه نحو صيغة “حكم فلسطيني محلّي” تشرف عليه منظومة دولية واسعة، قد تبدأ مؤقتة لكنها يُرجّح أن تتحول لاحقًا إلى واقع طويل الأمد. وبين انتظار القرار الأميركي واستمرار النقاشات اللصيقة داخل كريات غات، تبدو معالم مرحلة جديدة في غزة قريبة أكثر من أي وقت مضى، لكن تفاصيلها ستعتمد في النهاية على شكل القوة الدولية التي لم تتبلور رسميًا بعد.