رحيل حكواتي فلسطين المتجول حمزة العقرباوي غرقاً في نهر النيل

رحل الحكواتي الفلسطيني المتجول حمزة العقرباوي عن عمر ناهز 41 عاماً أمس الاثنين، غرقاً في نهر النيل، خلال زيارة عمل إلى مصر كان يقوم بها ضمن نقل الموروث الشعبي الفلسطيني. وبحسب مصادر صحافية، فإن العقرباوي توفي في النيل بعد أن سقط من قارب كان يستقله، قبل أن تتمكن فرق الإنقاذ من انتشال جثمانه صباح اليوم الثلاثاء. وخيّمت أجواء من الصدمة والحزن الكبير على الشارع الفلسطيني بعد معرفة خبر الوفاة ظهر اليوم الثلاثاء.
وحمزة العقرباوي راوي الحكايات والتراث الشعبي بلكنة أهل بلدته “عقربا” جنوبي نابلس شمال الضفة الغربية. وهو متزوج وأبٌ لأربعة أطفال، ولدين وبنتين، اختار أن يسلك طريقاً مختلفاً عن المسار المهني التقليدي. العقرباوي، المولود عام 1984، اختار أن يجعل من التراث الشفهي والتاريخ الاجتماعي مشروعاً معرفياً حياً، لا يُروى لذاته، بل يُفهم ضمن سياقاته السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
تجوال سفر
قبل نحو ثماني سنوات، كان حمزة العقرباوي يعمل في شركة خاصة، منخرطاً في إيقاع القطاع الخاص بكل ما يحمله من قواعد تنافسية ومنطق رأسمالي صارم، غير أن هذا المسار لم ينسجم مع قناعاته، فقرر اتخاذ خطوة حاسمة بترك العمل نهائياً في القطاع الخاص. منذ ذلك الحين، تفرغ العقرباوي للبحث في التراث الفلسطيني وجمع الموروث الشعبي، معتبرًا أن حماية الذاكرة والهوية الثقافية ليست هواية جانبية، بل مشروع حياة يتطلب التفرغ الكامل والالتزام طويل الأمد.
وعام 2006 بدأ العقرباوي مشروعه المرتبط بالحكايات على مستوى بلدته “عقربا” التي ولد فيها، وكان يساعد جده ووالده في حصاد القمح ويتسمع باهتمام عاشق لقصص جده في ليالي الحصاد. خزّن الطفل حمزة قصص الجد والجدة وكبار السن في العائلة والمحيط، وعاد بعد سنوات ليوثقها لا بعين العاشق فقط، بل بعقل الباحث، حيث أجرى عشرات المقابلات مع كبار السن في بلدته ومحيطها من القرى والبلدات المجاورة.
آلاف الشبان والشابات اصطحبهم العقرباوي، الذي كان يقود مجموعة “تجوال سفر”، عبر سنوات طويلة، والتي تنظم مسارات مشي في مختلف أرضي الضفة الغربية والداخل الفلسطيني المحتل عام 1948، حيث كانوا يصدحون بأصواتهم في الوديان والجبال مرددين بعد العقرباوي: “حب الأرض وغنيها، غنيها بتغنيها وأحلى أرض بكل الأرض، الأرض اللي بنمشي فيها”.
كان المشاركون ينصتون إلى حكايات العقرباوي حول كل قرية وبلدة ومدينة يمرون بها، تاريخها وجغرافيتها وعلاقتها مع المحتل، وكيف قاومت الأتراك ومن بعدهم الإنكليز، ومن بعدهم الاحتلال الإسرائيلي. يسرد تاريخ الغزاة عبر أبطال البلاد الذين قاوموا واستشهدوا، فذهب الغزاة وبقيت قصص الأبطال من أمثال أبو جلدة والعرميط، الذين دوّخوا الجيش الإنكليزي في جبال نابلس. ومن الحكايات الشفوية إلى التوثيق كان يتنقل بسلاسة لا يتقنها كثيرون منهم. حمزة العقرباوي كان يحرص على نسج علاقة بين هذا الجيل والأرض وأبطالها بخيوط من الأرض لا تنقطع، وبجولات ممولة ذاتياً وليس من المانحين كما درجت العادة أن يكون كل حدث في فلسطين منذ اتفاقية أوسلو 1993.

العقرباوي على طريق الأعرج
العقرباوي واصل المسيرة التي بدأها الشهيد باسل الأعرج، من خلال جولات معرفية في الأرض الفلسطينية تحت عنوان “تجول في الأرض تمتلكها”. وهذه الجولات التي انطلقت بمبادرة باسل، والتي كانت تهدف لربط الموروث الشعبي بالجغرافيا والتاريخ. باسل الأعرج، الذي اغتالته قوات الاحتلال الإسرائيلي في مدينة البيرة الملاصقة لمدينة رام الله عام 2016، كان ينظم هذه الجولات ويرافقه العقرباوي ويقدم بعض المشاركات فيها. وأخذ العقرباوي على عاتقه المسؤولية الكبرى بعد استشهاد باسل، وليضمن استمرار هذه المبادرة وإحياء الذاكرة الشعبية للأرض الفلسطينية، بعيداً عن النسيان والتلاشي.
وثّق العقرباوي قصص أبطال عدة في دراسته “الواد الأحمر: طريق المتبوعين والخارجين على الدولة”، خاصة أبو جلدة والعرميط، ليحكي للأجيال الفلسطينية الشابة والأطفال قصص أبطال لم تمت حكايتهم، وصنعوا المستحيل في أشد الفترات الزمنية حلكة وقسوة. من حكواتي ومتجول داخل فلسطين، تحوّل إلى حكواتيّ يتجول في عواصم العالم، ويحكي المورورث الشعبي الفلسطيني، ليقول للعالم إن الفلسطيني يمتلك الأرض والحكاية، أي الجذور والوجود، وإن لم يمتلك القوة العسكرية.
وكان حمزة العقرباوي يجدول سفره ورحلاته على مواعيد حصاد القمح وقطاف الزيتون فيها، إذ كان يتحول الحكواتي الذي يجلس في أعرق مسارح العالم تحت الكاميرات، إلى فلاح بسيط يحصد القمح ويقطف الزيتون ويبني السلاسل الحجرية، لكن هذا العام كان صعباً على العقرباوي مثل بقية الفلاحين في الضفة الغربية، فبدل أهازيج قطاف الزيتون كان يرسل بشكل يومي للصحافيين صور المستوطنين وفيديوهاتهم وهم يعتدون على أرضه في عقربا، وهو صامد فيها رغم كل شيء.
ولم يكتفِ العقرباوي بسرد الحكايات كما تناقلها الناس، بل كان يعيد تفكيكها وربطها بزمنها ومكانها، واضعاً الرواية الشعبية في مواجهة الوثيقة، ومُحيلاً الذاكرة الفردية إلى معرفة جماعية قابلة للتوثيق والنقد، وبهذه المقاربة، يتحوّل إلى جسرٍ بين الماضي والحاضر، وبين ما قيل شفهياً وما كُتب وحُفظ، مساهماً في صون الهوية الثقافية الفلسطينية ونقلها للأجيال بوعي منهجي.
أرشيف حمزة العقرباوي الكبير
من مسقط رأسه بلدة عقربا جنوب نابلس انطلق حمزة العقرباوي بمشروعه الأبرز: جمع الأرشيفات التي تعكس تفاصيل الحياة اليومية للفلسطينيين، بعيداً عن السرديات الكبرى الجاهزة، بحسب ما ورد في موقع المتحف الرقمي الفلسطيني. يهتم العقرباوي بالصور والوثائق التي تسجل أنماط العيش والعمل والعلاقات الاجتماعية، ويعمل في الوقت ذاته على تنظيم جولات معرفية في الأرض الفلسطينية، تربط الموروث الشعبي بالجغرافيا، وتعيد للحيز المكاني دوره بوصفه حاملًا للذاكرة.
ويمتلك العقرباوي أرشيفاً من الوثائق يزيد عن مائة ألف وثيقة، تغطي فترة زمنية تزيد عن 150 سنة، ومكتبة لعلها تأتي في المرتبة الثانية في قلبه بعد بلدته عقربا. وللراحل كذلك مئات من تسجيلات الفيديو وهو يسرد حكايات المورورث الشعبي الفلسطيني، وكتب وأبحاث منشورة عدة، منها كتاب عن سيرة إمام البلدة في عقربا (إطلالة المنبر)، والثلج في الموروث الشعبي الفلسطيني، و”الواد الأحمر: ذاكرة الجغرافيا”، وكتب ودراسات قيد العمل، لكن القدر لم يمهله لينهيها.
وتضم مجموعة العقرباوي الأرشيفية أكثر من 600 صورة ووثيقة، وتنقسم إلى قسمين رئيسيين، يركّز القسم الأول على تاريخ الحياة اليومية في بلدة عقربا، مسقط رأسه، خلال الفترة الممتدة من أواخر القرن التاسع عشر وحتى تسعينيات القرن العشرين. وتشمل هذه المواد دفاتر ديون، وشهادات ميلاد عثمانية، ووصولات دفع ضرائب، وحجج أراضٍ، ورسائل شخصية، وقوائم بأسماء عائلات، إلى جانب مجموعة خاصة بإمام ومأذون القرية سعادة حسن ذيب، تضم قسائم زواج وخطب جمعة، تكشف جوانب اجتماعية ودينية من حياة القرية.
أما القسم الثاني من المجموعة، فيضم صوراً خاصة بالشهيد ياسر خضر، الملقب بـ”حمزة البهلوان”، في توثيق بصري يحمل بُعداً إنسانياً ونضالياً، ويضيف طبقة أخرى إلى فهم التحولات التي عاشها المجتمع الفلسطيني. وبهذا العمل المتراكم، لا يقدم حمزة العقرباوي أرشيفاً ساكناً، بل مشروعاً مفتوحاً لإعادة قراءة التاريخ الاجتماعي الفلسطيني، ويرسخ الذاكرة التي ما زالت تقاوم النسيان.