هيئة مقاومة الجدار والاستيطان: الاحتلال بات يسيطر فعلياً على نحو 41% من الضفة

حذرت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان الفلسطينية في تقريرها السنوي اليوم الاثنين من أن سلطات الاحتلال الإسرائيلي باتت تسيطر فعلياً على نحو 41% من مجمل مساحة الضفة الغربية المحتلة. ولفت التقرير إلى أن تحول السيطرة الإسرائيلية من إطار “منطقة ج” وفق اتفاق أسلو إلى “سيطرة فعلية ممتدة” تجزّء الضفة إلى مناطق معزولة، محذراً من كون ذلك “تمهيدياً منهجياً” للقضاء على حل الدولتين عبر أدوات عسكرية وتشريعية واقتصادية.
وأكدت الهيئة أن سلطات الاحتلال الإسرائيلي تحكم قبضتها على ما يقارب 70 % من المناطق المصنفة (ج) وفق اتفاق أوسلو، وتستأثر بما يزيد على 90% من مساحة الأغوار، مشيرة إلى أن الاحتلال الإسرائيلي يسيطر أمنياً ومدنياً على كل المنطقة (ج)، أي ما يزيد عن 60 % من الضفة الغربية.
لكن السيطرة الفعلية التي أوردت هيئة مقاومة الجدار التقديرات الرقمية بخصوصها خلال مؤتمر صحافي في مقرها برام الله وسط الضفة الغربية المحتلة، تختلف عن تلك التي السيطرة الإسرائيلية التي عرفها الفلسطينيون بعد اتفاق أوسلو، مشيرة إلى أن الاختلاف الحاصل يتمثل في “اختزال الجغرافيا الفلسطينية إلى جزر معزولة ومحاصرة ودفع الفلسطيني خارج المجال الحيوي لأرضه، وجعل الاحتلال من نفسه حالة دائمة لا إجراءً مؤقتاً، عبر منظومة متكاملة من الأوامر العسكرية وإجراءات نزع الملكية”.
وأكدت الهيئة أن ما يجري هو “تمهيد منهجي لإعدام حل الدولتين، وعبث متعمّد بالبنية الجغرافية الفلسطينية، عبر سياسات سيطرة مستدامة تُدار بأدوات عسكرية وقانونية واقتصادية متداخلة، تهدف إلى تفريغ المكان من أصحابه، وتحويل الاستعمار من واقع زاحف إلى نظام حكم مفروض بالقوة والتشريع معاً”.
وطالب رئيس الهيئة مؤيد شعبان إلى الانتقال من توصيف الخطر، كما قال خلال المؤتمر الصحفي، إلى بناء استجابة وطنية شاملة، تتكامل فيها الأدوار ولا تتزاحم، مطالبا بانتقال وطني عاجل من توصيف المخاطر إلى بناء استجابة شاملة لحماية الأرض، تقوم على توزيع واضح للأدوار وتكامل الجهود بين المؤسسات الرسمية والقوى السياسية والمجتمعية، بما يعيد الاعتبار للأرض الفلسطينية باعتبارها جوهر الصراع ومركزه، وبتطوير أدوات المقاومة الشعبية وتعزيز قدرتها على الاستمرارية والتأثير، بما ينسجم مع طبيعة المرحلة وتصاعد المشروع الاستعماري، وبما يخرج الفعل الشعبي من الموسمية والرمزية إلى الفعل المنظم والمجدِي.
وقال شعبان إن “هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، لا تستطيع وحدها مجابهة إرهاب المستوطنين ودولة الاحتلال، وأن المواطن لا يستطيع وحده مواجهة ذلك في ظل تعرضه لعشرات الاعتداءات يومياً، حيث ترصد الهيئة ما بين 10 و15 اعتداء من المستوطنين وحدهم يومياً”. وأكد شعبان أن المطلوب هو “رؤية وطنية حقيقية والابتكار”، حسب وصفه، وكذا “أفكار جديدة خلاقة للمقاومة الشعبية، وألا يترك المواطن لوحده، وألا تترك هيئة مقاومة الجدار والمواطن وحدهم في مواجهة ذلك”. وشدد على أن “تلك الرؤية مطلوبة من الفصائل الفلسطينية، في ظل أن جوهر الصراع هو الأرض، والمسؤولية الأولى والأخيرة تقع على الفصائل الفلسطينية وثانيا على المؤسسة الرسمية وثالثا على المؤسسات الأهلية والمجالس البلدية، ومجالس العائلات، والمؤسسات في كل قرية”.
وتابع شعبان: “أخجل من نفسي عندما أتلقى اتصالاً من مواطن مثل عبد الله دار عواد (يتعرض منزله للاعتداءات والحصار وكان حاضراً في المؤتمر الصحفي) أو غيره من المواطنين ولا أستطيع فعل شيء، المطلوب أن نكون جميعاً في الميدان، أن نكون على الأقل مؤثرين في مجتمعنا”.
وفيما يتعلق بالأرقام، فقد رصد تقرير الهيئة تنفيذ الاحتلال منذ مطلع العام 2025 ما مجموعه 23827 اعتداءاً، منها 4723 اعتداءاً على يد المستوطنين، أدت إلى استشهاد 14 فلسطينياً على يد المستوطنين. ووفق شعبان، فإن أخطر المخططات الاستيطانية التي تم المصادقة عليها هذا العام تتمثل في مخطط E1″ بعد تأجيل استمر لـ 30 عاماً. وبذلك تكون دولة الاحتلال، وفقا لشعبان، “قد نفذت الرأس الأول من مخطط القدس الكبرى الذي يهدف إلى ضم 3 تجمعات استيطانية كبيرة لصالح منطقة نفوذ بلدية القدس وهي؛ تكتل معاليه أدوميم، وتكتل جفعات زئيف، وتكتل غوش عتصيون”. وقال إن ذلك يمعن في فصل القدس عن سياقها الفلسطيني، ويجعل من القدس امتداد ديمغرافي وجغرافي للوجود اليهودي داخل حدود البلدية والوجود الاستيطاني خارج حدود البلدية.
تغول الاستيطان
ووفقا للتقرير، قررت دولة الاحتلال فصل 13 حياً استيطانياً واعتبارها مستوطنات، واتخذت قراراً بإقامة 22 مستوطنة جديدة، ثم ألحقته بقرار آخر بإقامة وتسوية 19 موقعاً استيطانياً جديداً تضاف إلى قائمة مكونة من 68 بؤرة زراعية قررت حكومة الاحتلال مدها بكافة البنى التحتية الكفيلة بتثبتيها على أراضي المواطنين. وطرحت سلطات الاحتلال عطاءات لبناء أكثر من 10 آلاف وحدة استيطانية جديدة منها أكثر من 7000 وحدة لصالح مستوطنة “معاليه أدوميم” شرقي القدس و900 وحدة لصالح مستوطنة “إفرات” على أراضي بيت لحم و700 أخرى في مستوطنة “أرئيل” على أراضي محافظة سلفيت وغيرها.
وفي الفترة ذاتها أقام المستوطنون 89 بؤرة استيطانية جديدة، في رقم اعتبره شعبان غير مسبوق في سياسة البلطجة وفرض الوقائع المدفوعة من قبل حكومة اليمين الفاشي المتطرف، فيما أدى إرهاب المستوطنين المنطلق من تلك البؤر إلى تهجير 13 تجمعاً بدوياً فلسطينياً على مدار العام، تتكون من 197 عائلة، وتشمل أكثر من ألف فرد. وتسبب إرهاب المستوطنين في إشعال ما مجموعه 434 حريقاً في ممتلكات وحقول الفلسطينيين.
كذلك أصدرت سلطات الاحتلال 991 إخطاراً لهدم منشآت فلسطينية، وفي مقابل ذلك بلغ عدد عمليات الهدم 538، تسببت بهدم 1400 منشأة في ارتفاع وصفته الهيئة بغير المسبوق في إطار منهجية استهداف البناء والنمو الطبيعي الفلسطيني. وتسبب الاحتلال والمستوطنون خلال العام 2025 باقتلاع وتحطيم وتضرر أكثر من 35 ألف شجرة منها قرابة 27 ألف من أشجار الزيتون.
وقد بلغت مساحة الأراضي التي تمت عملية مصادرتها منذ مطلع العام قرابة 5500 دونما بأوامر وضع يد إما لإقامة مناطق عازلة حول المستوطنات، أو شق طرق أمنية لصالح المستوطنين أكبرها شارع على طول 22 كيلومتر في الأغوار الشمالية، أو بهدف إقامة أسيجة شائكة وجدران، أو توسعة مواقع عسكرية وغيرها، إضافة إلى 3 أوامر استملاك منها واحد من أكبر أوامر الاستملاك التي استهدفت الموقع الأثري في سبسطية و4 أوامر إعلان أراضي دولة. وقد خصصت دولة الاحتلال العام الماضي أكثر من 16500 دونما لصالح رعي المستوطنين.
تعميق المشروع الاستعماري
وفي إطار منظومة الإغلاق المكثفة، أحكم جيش الاحتلال في فترتين منفصلتين من العام 2025 إغلاق كافة الحواجز في الضفة الغربية بشكل كامل والتي بلغ عددها 916 بوابة وحاجز، وقد استحدث جيش الاحتلال خلال العام الماضي وفقا للتقرير 76 بوابة حديدية أو غير نمطها. وعلى الصعيد التشريعي، شكّل عام 2025 وفقا لتقرير الهيئة مرحلة متقدمة في توظيف منظومة القوانين كأداة مركزية لتعميق المشروع الاستعماري، من خلال عدد واسع من مشاريع القوانين والتعديلات التشريعية التي استهدفت شرعنة الوقائع الاستيطانية القائمة، وتوسيع صلاحيات المستوطنين ومجالسهم المحلية، وتكريس التمييز القانوني في إدارة الأرض والتخطيط والبناء.
وشملت مشاريع القوانين تسوية بؤر استيطانية أُقيمت دون قرارات حكومية سابقة، وتعزيز السيطرة الإسرائيلية على أراضي الضفة الغربية عبر نقل صلاحيات مدنية إضافية إلى مؤسسات الاحتلال، وتقويض المكانة القانونية للأرض الفلسطينية وأصحابها، مثل قانون تمكين المستوطنين من تملك العقارات والأراضي وتغيير مسمى الأرض الفلسطينية إلى أسماء توراتية. كما سعت التشريعات كما جاء في التقرير إلى توفير غطاء قانوني لأعمال المصادرة والهدم، وتحويل الإجراءات الاستثنائية إلى قواعد دائمة، بما يعكس انتقال الكنيست من دور تشريعي تقليدي إلى شريك مباشر في فرض الضم الزاحف، وإعادة تعريف الاحتلال كمنظومة سيادة قسرية تستند إلى التشريع لا إلى القوة العسكرية وحدها.
وقال شعبان إن “توحيد الجهد القانوني الفلسطيني وتفعيل أدوات المساءلة الدولية دون تأجيل أو انتقائية، واستثمار التراكم التوثيقي في تحريك ملفات قضائية فاعلة أمام المحاكم الدولية والآليات الأممية المختصة، باعتبار القانون الدولي ساحة مواجهة لا خياراً ثانوياً، هو واحد من الأطر الاستراتيجية التي ستواصل الهيئة العمل عليه”. وشدد على أهمية بناء خطاب سياسي وإعلامي وطني موحد، يعيد تعريف ما يجري على الأرض باعتباره استعماراً استيطانياً إحلالياً مكتمل الأركان، ومواجهة محاولات التطبيع والتجزئة، وإعادة توجيه الرأي العام نحو حقيقة ما يجري في فلسطين.