الاحتلال يقوض الولاية القانونية لبلديتي الخليل وبيت لحم

دخلت السياسات الاستيطانية في جنوب الضفة الغربية مرحلةً هي الأخطر منذ عقود، إذ انتقلت من دائرة “تقليص الصلاحيات” إلى مربّع “النزع الكامل”، بعدما اتخذت سلطات الاحتلال الإسرائيلي، أول من أمس الأحد، خطوات لتقويض ولاية بلديتي الخليل وبيت لحم على الأرض، بما يدشن فعلياً السيطرة والنفوذ الاستيطاني. ويأتي ذلك في أعقاب قرارات مجلس الوزراء الإسرائيلي المصغّر (كابينت)، بجلسته، الأحد، والتي تُكرّس مشروع “ضمّ” الضفة الغربية وتفرض القوانين المدنية الإسرائيلية على قلب الجغرافيا الفلسطينية عبر نقل الصلاحيات الخدمية والمدنية للهيئات الاستيطانية.
وكان الكابينت الإسرائيلي قد قرّر، أول من أمس، نقل صلاحيات ترخيص المباني في ما وصف بـ”الحيّ اليهودي” بمدينة الخليل، ومن ضمنها الحرم الإبراهيمي، من بلدية الخليل إلى الهيئات الاستيطانية، كما صدر قرار آخر ينزع تبعية مسجد بلال بن رباح، المعروف بـ”قبة راحيل”، من بلدية بيت لحم إلى مديرية استيطانية جديدة.

واقع جديد على أرض الضفة الغربية
وتأتي هذه القرارات خدمة لمشروع استيطاني أكبر يضمّ الضفة الغربية بالكامل، تقدّم به وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، إلى جانب أعضاء كتلة حزبه “عوتسما يهوديت” من خلال مشروع قانون في الكنيست طُرح في مطلع مارس/ آذار الماضي، يسعى إلى إلغاء اتفاقيات أوسلو، واتفاق الخليل، واتفاق واي ريفر، بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية، وفق مدير وحدة نظم المعلومات الجغرافية في معهد أريج عيسى زبون، ويلفت زبون إلى أن هذه القرارات تحمل بُعدين متلازمين: أولهما سياسي يستهدف الإطار القانوني القائم وفق الاتفاقيات الموقعة، وثانيهما جغرافي يفرض وقائع جديدة على الأرض في الضفة الغربية تلغي الوجود الفلسطيني.
بدوره، يؤكد الخبير القانوني وعضو مجلس بلدي الخليل عبد الكريم فرّاح أن الواقع القائم على الأرض يثبت أن إسرائيل تنكرت عملياً لكافة الاتفاقيات الموقعة بينها وبين منظمة التحرير، وأن ما صدر بحق صلاحيات البلدية لا يمثل خرقاً جديداً بقدر ما هو انتقال إلى مرحلة أكثر خطورة تقوم على الانقضاض القانوني المنظّم على تلك الاتفاقيات، وخصوصاً “اتفاقية الخليل 1997” التي حدّدت الصلاحيات الخدمية لتكون في يد بلدية الخليل تجاه الحرم الإبراهيمي والأحياء المحيطة به.
ويوضّح فرّاح أن الاحتلال بات يتجنب الإعلان الصريح عن ضمّ الضفة الغربية خشية ردات الفعل الدولية والرأي العام، ويلجأ بدلاً من ذلك إلى تفريغ الاتفاقيات من مضمونها عبر قرارات ذات طابع إداري وقانوني ظاهري، بينما تحمل في جوهرها أهدافاً سياسية واضحة، عبر خلق نموذج بديل يدير المكان الديني والأحياء الفلسطينية المحاصرة في مناطق “إتش 2” (h2) الخاضعة للسيطرة الأمنية الإسرائيلية وفق اتفاقية الخليل، وجعلها خاضعة مدنياً لمستوطنة “كريات أربع” المقامة على أراضي الخليل، على اعتبار أن الأحياء الفلسطينية تسمّى إسرائيلياً “الحيّ اليهودي”.

الاستيطان متغلغل في الخليل
ويعيش في أحياء البلدة القديمة من مدينة الخليل أكثر من أربعة آلاف فلسطيني، في تلّ الرميدة، وشارع الشهداء، وواد الحصين، وواد الغروس، وحارة جابر، وحارة السلايمة، فيما يحاصر هذه المناطق أكثر من 120 عائقاً حركياً من مكعبات إسمنتية وبوابات حديدية وإلكترونية. وتنتشر بين هذه الأحياء خمس بؤر استيطانية يعيش فيها مئات المستوطنين المدجّجين بالسلاح، وعلى رأسهم وزيرة الاستيطان أوريت ستروك، وبن غفير.
ويعتبر فرّاح أن القرارات من حيث الأثر العملي لا تغيّر شيئاً على الأرض، لأن الاستيطان متغلغل أصلاً في قلب مدينة الخليل، والمستوطنون ينفذون عمليات البناء دون الرجوع إلى البلدية أو طلب تراخيص. ويتساءل: “هل تقدّمت أي من البؤر الاستيطانية المقامة منذ عام 1967، وخاصة تلك التي توسعت بعد مجزرة الحرم الإبراهيمي، بطلب ترخيص من بلدية الخليل، ثمّ التزمت بشيء من موقف البلدية؟”.
ويستشهد فراح بما جرى في نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، حين أُعلن عن المخطط التفصيلي لهدم سوق الحسبة القديم التابع لبلدية الخليل في البلدة القديمة، وبناء مشروع سكني استيطاني ضخم مكانه، موضحاً أن هذا المخطط، وفق الأطر القانونية القائمة آنذاك، كان يتطلب من سلطات الاحتلال التقدم بطلب رسمي إلى بلدية الخليل لتنفيذه. ويبيّن فرّاح أن البلدية كانت ترفض مثل هذه الطلبات، ما كان يُدخل المخطط في مواجهة قانونية طويلة، تُساهم في تأجيله أو تعطيله، حتى ولو مؤقتاً. ولفت إلى أن هذا المسار القانوني، على محدوديته، شكّل في السابق عائقاً أمام التنفيذ السريع للمشاريع الاستيطانية داخل المدينة، إلا أن القرارات الإسرائيلية الأخيرة نسفت هذا المسار بالكامل، وفتحت الباب أمام إلغاء دور بلدية الخليل بشكل كام

وينطبق هذا الإجراء على مخطّط استملاك مساحة تبلغ 288 متراً مربعاً من ساحة الصحن في الحرم الإبراهيمي، بذريعة المنفعة العامة، موضحاً أن هذا القرار جاء بعد محاولات متواصلة منذ يوليو/ تموز 2024، لسقف الحرم الإبراهيمي، واستغرق الاحتلال نحو عام ونصف لاتخاذه، بسبب التعقيدات القانونية واعتراضات البلدية. إلا أن هذه المخطّطات وفق فراح، ستصدر الآن من مجلس مستوطنات “كريات أربع”، الذي يخطط الاحتلال منذ يوليو الماضي، ليحلّ مكان بلدية الخليل في إطار الولاية على الحرم ومحيطه.
الأمر ذاته ينطبق على حال مسجد بلال بن رباح (قبة راحيل)، الذي كان يمثّل معضلةً سيادية؛ فبينما يقع جغرافياً ضمن تصنيف المنطقة “أ” التابعة لبلدية بيت لحم وفق اتفاقية أوسلو، إلا أن الاتفاقية منحته وضعاً أمنياً خاصاً باعتباره “مكاناً يهودياً مقدساً”، وهو ما استغله الاحتلال لضمّه فعلياً خلف جدار الفصل العنصري عام 2002. وتدرجت هذه السيطرة من تصنيف المسجد ليكون “تراثاً يهودياً قومياً” عام 2010، وصولاً إلى الإجراءات الأخيرة التي نزعت تبعيته الجغرافية والإدارية عن بلدية بيت لحم لتكريس إلحاقه بالمجالس الاستيطانية. وعلاوة على ذلك، يوضّح مدير وحدة نظم المعلومات الجغرافية في معهد أريج عيسى زبون أن الاحتلال أصدر قبل نحو أسبوعين أمراً عسكرياً يقضي بتوسيع نطاق السيطرة حول المسجد، في وقت يمنع فيه الفلسطينيين بشكل كامل من الوصول إليه، ما يعني أن الذي يجري هو عملية عزل منهجية للموقع عن مدينة بيت لحم، رغم وقوعه ضمن حدود بلديتها الرسمية.

مسجد بلال بن رباح ومقام قبة راحيل – بيت لحم

ويشير زبون إلى أن خطورة هذه الإجراءات لا تقتصر على الموقع نفسه، بل تمتد لتكريس فصل جغرافي بين القدس وبيت لحم، في إطار سياسة أوسع تهدف إلى شطب اتفاقيات أوسلو عملياً عبر فرض سيطرة مدنية وتخطيطية في المناطق الخاضعة للسيطرة الفلسطينية وفق الاتفاقيات. وحذر من أن هذه القرارات تشكّل نموذجاً قابلاً للتوسع ليشمل الضفة بأكملها، حيث لم تعد المصادرات تُدار فقط عبر أوامر عسكرية، بل يجري التعامل معها باعتبارها ملفاً مدنياً تنفذه الشرطة وحرس الحدود الإسرائيلي، بما في ذلك استخدام ذرائع “حماية الآثار” لهدم مبانٍ في مناطق “أ”.
ويؤكد زبون أن الهدف من هذه الإجراءات هو فرض السيطرة الكاملة، وعزل المناطق الفلسطينية تمهيداً لتفريغها من سكانها، موضحاً أن بيت لحم مليئة بالمواقع الأثرية، وفي حال نجاح نموذج “قبر راحيل”، فإن ذلك سينعكس على جميع مناطق المحافظة ليطبّق فيها القانون المدني الإسرائيلي، وهو الحال الذي يجري الآن في مدينة الخليل دون أي عوائق تواجه الاحتلال.

زر الذهاب إلى الأعلى